Skip to main content

"تمكين": فجوات تشريعية وتحديات تطبيقية لا تزال تحدّ من الأثر الفعلي لنظام عمال الزراعة في حماية العمال الزراعيين في الأردن

2026-Apr-29
"تمكين": فجوات تشريعية وتحديات تطبيقية لا تزال تحدّ من الأثر الفعلي لنظام عمال الزراعة في حماية العمال الزراعيين في الأردن

عمّان – أكدت تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان أن قطاع الزراعة في الأردن ما يزال يعمل ضمن بيئة تشغيل مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، في ظل اعتماد واسع على العمالة الموسمية واليومية، وانتشار الحيازات الزراعية الصغيرة والمتوسطة، وتعدد سلاسل التشغيل، بما في ذلك دور الوسطاء المحليين المعروفين في بعض المناطق بـ"الشاويش"، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على طبيعة العلاقة التعاقدية، ويؤدي إلى ضعف توثيق عقود العمل وصعوبة تحديد المسؤولية القانونية بدقة عند وقوع أي نزاع أو إصابة أو انتهاك.
جاء ذلك في ورقة موقف تحليلية أصدرتها "تمكين" بمناسبة اليوم العالمي للعمال الذي يُصادف الأول من أيار من كل عام، بعنوان "بذور العدالة: فجوات حماية العمال الزراعيين في الأردن"، حيث خلصت إلى أن الإطار التشريعي القائم، وعلى رأسه نظام عمال الزراعة رقم (19) لسنة 2021 وتعديلاته، يمثل خطوة متقدمة في مسار تنظيم العمل الزراعي وإدماجه ضمن منظومة قانون العمل الأردني، إلا أن الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي ما تزال واسعة، الأمر الذي يحدّ من الأثر الفعلي للحماية القانونية والاجتماعية على أرض الواقع.
وبيّنت تمكين أن القطاع الزراعي يُعد أحد أهم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن، ليس فقط لكونه مصدرًا للإنتاج الغذائي، بل أيضًا لكونه ركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني والتنمية الريفية، إضافة إلى كونه أحد أكبر القطاعات المشغلة للأيدي العاملة خارج المراكز الحضرية. وبحسب بيانات وزارة الزراعة، فقد بلغ عدد العاملين في القطاع الزراعي نحو 220 ألف عامل، منهم ما يقارب 160 ألف عامل أردني، إلى جانب نحو 60 ألف عامل غير أردني يشكلون جزءًا أساسيًا من القوى العاملة في العمليات الزراعية المختلفة.
ورغم هذه الأهمية، أشارت الورقة إلى أن بيانات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي حتى مطلع عام 2026 تُظهر أن عدد العاملين المشمولين فعليًا بالضمان الاجتماعي لا يتجاوز نحو 18,761 عاملًا وعاملة، وهو ما يعكس فجوة كبيرة في مظلة الحماية الاجتماعية، ويترك غالبية العاملين، سواء الأردنيين أو غير الأردنيين، خارج نطاق التأمينات الاجتماعية، بما في ذلك إصابات العمل والتقاعد وغيرها من أشكال الحماية الأساسية.
وأكدت "تمكين" أن هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها فقط على أنها ضعف في التسجيل أو الامتثال، بل تعكس إشكالية بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة سوق العمل الزراعي نفسه، حيث تسود العلاقات غير الرسمية، وتنتشر الترتيبات الشفوية بدل العقود المكتوبة، وتتشابك الأدوار بين صاحب العمل الفعلي والوسيط، ما يؤدي إلى إرباك في تحديد المسؤولية القانونية، خصوصًا عند وقوع إصابات العمل أو النزاعات العمالية.
وفي محور الإطار التشريعي، أوضحت الورقة أن نظام عمال الزراعة رقم (19) لسنة 2021 جاء ليضع إطارًا قانونيًا خاصًا ينظم العمل الزراعي، بعد سنوات طويلة من إدراجه ضمن الاقتصاد غير المنظم. وقد نص النظام على مجموعة من الأحكام المتعلقة بعقود العمل، وساعات العمل، والإجازات، والسلامة والصحة المهنية، والحد الأدنى من الحقوق العمالية، بما ينسجم مع المبادئ العامة في قانون العمل الأردني رقم (8) لسنة 1996.
لكن "تمكين" شددت على أن الإشكالية لا تكمن في النصوص بحد ذاتها، بل في آليات التطبيق، إذ ما تزال نسبة كبيرة من العمال الزراعيين تعمل دون عقود خطية موثقة، أو ضمن عقود غير مكتملة البنود، أو عبر وسطاء غير خاضعين لأي تنظيم قانوني واضح، وهو ما يجعل العلاقة التعاقدية هشة وقابلة للتغيير أو الإنكار عند النزاع.
وفيما يتعلق بساعات العمل وظروف التشغيل، بيّنت الورقة أن الطبيعة الموسمية للعمل الزراعي، والتقلبات المناخية، وارتباط العمل بدورات الإنتاج الزراعي، تؤدي إلى نمط تشغيل غير ثابت، حيث تمتد ساعات العمل في بعض المواسم، خاصة مواسم الحصاد، بينما تنخفض في فترات أخرى. وأضافت أن هذا الواقع يخلق فجوة بين النصوص القانونية التي تفترض انتظامًا نسبيًا في ساعات العمل، وبين الواقع الميداني الذي يتسم بالمرونة الشديدة، ما ينعكس على احتساب الأجور والعمل الإضافي وحقوق الراحة.
وفيما يخص الشمول بالضمان الاجتماعي، أوضحت تمكين أن قانون الضمان الاجتماعي رقم (1) لسنة 2014 ينص على شمول جميع العمال الخاضعين لأحكام قانون العمل، وبما أن عمال الزراعة أصبحوا مشمولين بموجب نظام عمال الزراعة، فإنهم من حيث المبدأ يُفترض أن يتمتعوا بكامل الحماية التأمينية. إلا أن التطبيق العملي يكشف أن الشمول ما يزال جزئيًا ومحدودًا، إذ يقتصر فعليًا على تأميني إصابات العمل والأمومة دون باقي التأمينات الأساسية، الأمر الذي يحدّ من نطاق الحماية الاجتماعية ويُبقي شريحة واسعة من العمال خارج مظلة الأمان التأميني الشامل. وأشارت "تمكين" إلى أن هذا الواقع يعكس فجوة واضحة بين النص القانوني والتطبيق، ويؤدي إلى غياب العدالة التأمينية بين العاملين، ويضعف من فعالية منظومة الحماية الاجتماعية في القطاع الزراعي.
كما تناولت الورقة التزامات أصحاب العمل، حيث أكدت أن النظام يلزمهم بتوفير بيئة عمل آمنة، وتنظيم العلاقة التعاقدية، والالتزام بالحد الأدنى من الحقوق، بما في ذلك الأجور وساعات العمل والإجازات. إلا أن تعدد الحيازات الزراعية الصغيرة، وضعف القدرات الإدارية لدى بعض أصحاب العمل، وانتشار العمل الموسمي، كلها عوامل تجعل الالتزام بهذه الأحكام متفاوتًا على أرض الواقع.
وفي جانب السلامة والصحة المهنية، أشارت "تمكين" إلى أن تعليمات السلامة في القطاع الزراعي تشكل إطارًا مهمًا لحماية العمال، من خلال إلزام أصحاب العمل بتوفير معدات الوقاية الشخصية مثل القفازات والملابس الواقية والأقنعة، إضافة إلى توفير مياه شرب نظيفة ومرافق صحية ملائمة. إلا أن التطبيق العملي ما يزال يواجه تحديات تتعلق بالكلفة، وضعف الرقابة، ونقص الوعي، خاصة في المزارع الصغيرة والمناطق البعيدة.
وفي محور التفتيش العمالي، بيّنت الورقة أن أجهزة التفتيش في وزارة العمل تتمتع بصلاحيات قانونية واسعة، إلا أن محدودية الكوادر، واتساع رقعة القطاع الزراعي، وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع النائية، إضافة إلى انتشار العمل غير المنظم، كلها عوامل تحد من فاعلية الرقابة الميدانية، وتؤثر على قدرة الدولة في ضمان الامتثال الكامل لأحكام القانون.
كما لفتت "تمكين" إلى أن بعض الممارسات الخطرة مثل العمل الجبري أو الإكراه أو حجز الوثائق ما تزال تُعالج في بعض الحالات ضمن إطار إداري أو تنظيمي فقط، رغم أن بعضها قد يندرج ضمن الجرائم الجزائية وفق قانون العقوبات أو قانون منع الاتجار بالبشر، الأمر الذي يستدعي مواءمة قانونية أوضح تعزز من مستوى الحماية والردع.
وفي إطار المقاربة المقارنة، أشارت الورقة إلى أن تجارب دول مثل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا أظهرت تطورًا في تنظيم العمل الزراعي من خلال توسيع نطاق الحماية الاجتماعية للعمال الموسميين، واعتماد آليات مرنة لساعات العمل، وتعزيز التفتيش، وربط الامتثال بسلاسل الإنتاج الزراعي. واعتبرت "تمكين" أن هذه التجارب يمكن الاستفادة منها في السياق الأردني، مع ضرورة تكييفها بما يتناسب مع طبيعة القطاع المحلي وليس نقلها بشكل حرفي.
خلصت "تمكين" إلى أن تحسين أوضاع العمال الزراعيين يتطلب حزمة من الإجراءات المتكاملة، تبدأ بتطوير نظام تسجيل رقمي موحد للعاملين في القطاع الزراعي، يربط بين وزارة العمل ومؤسسة الضمان الاجتماعي، بما يضمن توثيق العقود وتتبع أيام العمل الفعلية والحد من العمل غير المنظم.
كما أوصت بضرورة التوسع التدريجي في الشمول التأميني ليشمل جميع العاملين في القطاع دون استثناءات، بما يعزز الحماية الاجتماعية ويقلل من فجوة الأمان القائمة، إلى جانب مراجعة السياسات التنفيذية لضمان التطبيق الفعلي للنصوص القانونية.
ودعت "تمكين" إلى تنظيم عمل الوسطاء الزراعيين عبر إطار قانوني أو نظام ترخيص واضح يحدد مسؤولياتهم ويخضعهم للمساءلة، بما يحد من التداخل في الأدوار ويعزز وضوح العلاقة التعاقدية بين العامل وصاحب العمل.
كما شددت على أهمية تطوير منظومة التفتيش العمالي لتكون قائمة على تحليل المخاطر، مع تعزيز الموارد البشرية واللوجستية لأجهزة التفتيش، وربط نتائج الرقابة بآليات متابعة فعالة تضمن تصويب المخالفات بشكل مستدام.
وأكدت الورقة كذلك ضرورة ربط الحوافز والخدمات الحكومية، مثل دعم المياه والأسمدة، بوجود عقود عمل موثقة، بما يشجع على الامتثال الطوعي ويعزز من توثيق العلاقات التعاقدية.
واختتمت "تمكين" بيانها بالتأكيد على أن تطوير قطاع الزراعة في الأردن لا يمكن أن يتحقق دون الانتقال من الحماية القانونية النظرية إلى الحماية الفعلية على أرض الواقع، بما يضمن كرامة العامل، ويعزز استدامة القطاع، ويحقق التوازن بين متطلبات الإنتاج وحقوق الإنسان.