تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"تمكين": فجوة بين الإطار التشريعي والتطبيق الفعلي تحدّ من الحماية الحقيقية للعمال في منظومة السلامة والصحة المهنية في الأردن

2026-أبريل-27
"تمكين": فجوة بين الإطار التشريعي والتطبيق الفعلي تحدّ من الحماية الحقيقية للعمال في منظومة السلامة والصحة المهنية في الأردن

عمان- أكدت تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان أن منظومة السلامة والصحة المهنية في الأردن تشهد تطوراً نوعياً على مستوى الإطار التشريعي والتنظيمي، خاصة في ضوء التعديلات والأنظمة الصادرة خلال الأعوام الأخيرة، إلا أن هذا التطور لم يواكبه حتى الآن مستوى موازٍ من التطبيق الفعلي داخل بيئات العمل، الأمر الذي يُبقي الفجوة قائمة بين النص القانوني والحماية الحقيقية التي يصل أثرها إلى العامل. جاء ذلك في ورقة تحليلية أصدرتها "تمكين" بمناسبة اليوم العالمي للسلامة والصحة المهنية الذي يُصادف الثامن والعشرين من نيسان من كل عام، بعنوان "بين النص والحماية: قراءة في منظومة السلامة والصحة المهنية في الأردن"، التي سعت إلى تقديم قراءة شاملة تجمع بين تحليل الإطار القانوني، واستعراض المؤشرات الإحصائية، وتفكيك التحديات التطبيقية، وربطها بالسياق المؤسسي والاقتصادي الأوسع. وأشارت "تمكين" إلى أن البيانات الرسمية الصادرة عن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي تُظهر تسجيل 21,412 حادث عمل خلال عام 2024، تم اعتماد 17,088 إصابة منها رسمياً، بنسبة 79.8%، في حين بقيت 4,324 حادثة خارج نطاق الاعتماد لأسباب تتعلق بالإجراءات والتوثيق. إلا أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تمثل سوى جزء من الواقع، في ظل عمل ما يقارب 59% من القوى العاملة ضمن الاقتصاد غير المنظم، خارج مظلة الضمان الاجتماعي، ما يعني أن نسبة كبيرة من إصابات العمل لا تدخل ضمن أي نظام رصد أو توثيق رسمي. وفي هذا الإطار، تُظهر الورقة أن الرقم الرسمي المعلن لإصابات العمل لا يعكس كامل حجم الظاهرة، بل يقتصر على الحالات التي تم تبليغها وتسجيلها رسمياً، فيما تبقى حالات أخرى خارج نطاق الرصد. وانطلاقاً من معادلة تقديرية واضحة تقوم على ضرب العدد الرسمي بمعامل تصحيح يراعي نقص التبليغ واستبعاد العمالة غير المنظمة، قدّرت الورقة أن العدد الفعلي لإصابات العمل في الأردن خلال عام 2024 يتراوح بين 34,259 إصابة كحد أدنى و49,247 إصابة كحد أعلى سنوياً، أي بزيادة تتراوح بين 60% و130% مقارنة بالأرقام الرسمية، بما يؤكد أن الفجوة القائمة لا تعكس فرقاً إحصائياً فحسب، بل تشير إلى تحدٍ بنيوي في منظومة التبليغ والتوثيق. كما أوضحت "تمكين" أن الكلفة الاقتصادية لإصابات العمل في الأردن تُقدّر بنحو 1.25 مليار دينار سنوياً، أي ما يعادل 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وتشمل هذه الكلفة مزيجاً من النفقات المباشرة وغير المباشرة، بما في ذلك الرعاية الصحية، وتعويضات الضمان الاجتماعي، وتعطل الإنتاجية، وفقدان أيام العمل. وأكدت أن خفض معدل الإصابات بنسبة 10% فقط يمكن أن يحقق وفراً اقتصادياً يقارب 125 مليون دينار سنوياً، ما يبرز السلامة المهنية كأداة استثمارية إلى جانب بعدها الحقوقي. وفيما يتعلق بالمؤشرات البشرية، أشارت الورقة إلى تسجيل 189 حالة وفاة ناتجة عن إصابات العمل خلال عام 2024، بمعدل وفاة واحدة كل يومين تقريباً، مع وجود تفاوت واضح في معدلات الوفاة بين العمال الأردنيين وغير الأردنيين، حيث بلغت 12.4 حالة لكل 100 ألف مؤمّن عليه بين غير الأردنيين، مقابل 6.9 حالات بين الأردنيين، وهو ما يعكس توزيعاً غير متكافئ للمخاطر وظروف العمل، ويشير إلى تفاوت في مستويات الحماية. كما لفتت "تمكين" إلى أن 46% من إصابات العمل تقع بين العمال دون سن الثلاثين، وهو ما يعكس استنزافاً مبكراً لرأس المال البشري الوطني، في حين تشكل إصابات الذكور 85.9% من إجمالي الإصابات، وهو ما يرتبط بطبيعة التوزيع القطاعي للعمالة في المهن الأعلى خطورة. وفي محور الأمراض المهنية، بيّنت الورقة أن عدد الحالات المعتمدة رسمياً خلال عام 2024 بلغ ثلاث حالات فقط، وهو رقم لا يعكس الواقع الفعلي، بل يشير إلى محدودية أدوات التشخيص والرصد، خاصة في ظل الطبيعة التراكمية لهذه الأمراض، والحاجة إلى أنظمة فحص متخصصة ومستمرة. وفي تحليلها للإطار الدستوري والتشريعي، أكدت "تمكين" أن المادة (23) من الدستور الأردني تضع أساساً قانونياً واضحاً لحق العامل في بيئة عمل صحية، في حين يحدد قانون العمل رقم (8) لسنة 1996 التزامات أصحاب العمل في هذا المجال، بما يشمل توفير وسائل الوقاية، والتوعية بالمخاطر، والتبليغ عن الإصابات، وتأمين الرعاية الطبية. إلا أن محدودية الغرامات المالية، التي تتراوح بين 100 و500 دينار، تطرح تساؤلات حول فعالية الردع القانوني. وأشارت الورقة إلى أن عام 2023 شكّل نقطة تحول مفصلية في منظومة السلامة المهنية، مع تطوير ثلاثة أنظمة رئيسية هي: نظام الوقاية من الأخطار المهنية رقم (31)، ونظام العناية الطبية الوقائية والعلاجية رقم (32)، ونظام تشكيل لجان السلامة والصحة المهنية رقم (33)، والتي أدخلت مفهوم إدارة المخاطر كإطار حاكم للسلامة المهنية، بدلاً من الاكتفاء بالامتثال الشكلي. وفي هذا السياق، أوضحت "تمكين" أن تعليمات تقييم المخاطر لسنة 2023 تُلزم المنشآت، خاصة التي تضم 20 عاملاً فأكثر، بإجراء تقييم شامل للمخاطر، يشمل جميع مواقع العمل والفئات الأكثر عرضة، مع إعداد خطط وقائية محددة زمنياً ومالياً، ومراجعتها بشكل دوري كل عامين، وهو ما يعكس انتقالاً نحو منهجية وقائية قائمة على التحليل والتخطيط. كما أكدت أن تعليمات تحديد مصادر الأخطار المهنية لسنة 2023 وسّعت نطاق الخطر ليشمل المخاطر الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية، إضافة إلى المخاطر الإرغونومية والنفسية والاجتماعية، بما في ذلك الإجهاد الوظيفي والعنف والتحرش، في خطوة تنسجم مع المعايير الدولية الحديثة، خاصة ISO 45003، إلا أن التحدي يكمن في تحويل هذا الاعتراف إلى أدوات قياس وتفتيش فعالة. وفيما يتعلق بالحوكمة المؤسسية، بيّنت "تمكين" أن نظام لجان السلامة والصحة المهنية يمثل توجهاً نحو تعزيز الرقابة الداخلية داخل المنشآت، إلا أن فعاليته تبقى مرهونة بمدى منحه الصلاحيات الفعلية، وإمكانية وصوله إلى البيانات، وتأثيره على القرارات التشغيلية. كما تناولت الورقة إلزام المنشآت بحفظ سجلات تفصيلية تتعلق بالحوادث والتفتيش والتدريب، معتبرة أن هذه السجلات تمثل ذاكرة مؤسسية مهمة، إلا أن قيمتها تعتمد على مدى استخدامها في التحليل والتحسين، وليس مجرد حفظها لأغراض الامتثال. وفي تحليلها القطاعي، أوضحت "تمكين" أن الصناعات التحويلية تستحوذ على 38.1% من إصابات العمل، في حين يشهد قطاع الإنشاءات معدلات مرتفعة من الوفيات، حيث تشكل حوادث السقوط 35% من الوفيات، وتنتهي 44% من الإصابات بإعاقة دائمة أو وفاة. كما يبرز القطاع الزراعي كنموذج للفجوة بين المخاطر الفعلية والتوثيق، في ظل غياب معدات السلامة في 74% من المزارع، ووجود نحو 99% من العمال خارج مظلة الضمان الاجتماعي. وفي قطاع النقل، أشارت الورقة إلى إشكالية تصنيف حوادث العمل، حيث يتم إدراج العديد منها ضمن حوادث السير العامة، ما يؤدي إلى إخراجها من منظومة الحماية المهنية، خاصة في ظل انتشار أنماط العمل غير المنظمة المرتبطة بالتطبيقات الرقمية. وفيما يتعلق بالتفتيش العمالي، أكدت "تمكين" أن عدد المفتشين، الذي يُقدّر بنحو 160 مفتشاً، لا يتناسب مع حجم وتعقيد سوق العمل، ما يؤدي إلى اعتماد نموذج تفتيش قائم على الاستجابة للشكاوى، بدلاً من نموذج استباقي قائم على تحليل المخاطر. كما بيّنت أن دور المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، رغم أهميته في التعويض، يظل محدوداً في جانب الوقاية، في ظل غياب الربط المؤسسي بين بيانات الإصابات والسياسات الوقائية، وهو ما يحد من القدرة على منع تكرار المخاطر. وأشارت الورقة إلى أن تعدد الجهات المعنية بالسلامة المهنية، بما في ذلك وزارة العمل ووزارة الصحة والضمان الاجتماعي والدفاع المدني، في ظل غياب منصة بيانات موحدة، يؤدي إلى تشتت الجهود ووجود فجوات في التنسيق. وفي إطار المقارنة الدولية، أوضحت "تمكين" أن الفجوة بين الأردن والدول المتقدمة في مجال السلامة المهنية لا تكمن في النصوص، بل في نضج أنظمة التنفيذ، وجودة البيانات، وفعالية المساءلة، واعتماد نماذج تفتيش قائمة على تحليل المخاطر. كما تناولت الورقة الفرص المرتبطة باستخدام التكنولوجيا، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، في تحسين إدارة السلامة المهنية، خاصة في مجالات التنبؤ بالمخاطر والتفتيش الذكي. وفي ضوء ذلك، أوصت "تمكين" بضرورة تطوير منظومة وطنية متكاملة للسلامة والصحة المهنية، تقوم على تعزيز التفتيش المبني على المخاطر، وبناء قاعدة بيانات موحدة، وتحسين أنظمة التبليغ، خاصة في القطاع غير المنظم، إلى جانب تعزيز التكامل بين منظومتي الوقاية والتعويض. كما دعت إلى الاستثمار في بناء ثقافة وقائية داخل المنشآت، وربط الامتثال بالحوافز الاقتصادية، وتعزيز استخدام التكنولوجيا في إدارة المخاطر، بما يسهم في تقليل الإصابات وتحسين بيئة العمل. واختتمت "تمكين" بيانها بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي لم يعد في صياغة النصوص أو استحداث التشريعات، بل في قدرتها على التحول إلى ممارسة يومية داخل بيئات العمل، تضمن الحماية الفعلية للعامل، وتحقق التوازن بين متطلبات الإنتاج وحقوق الإنسان، وتُرسّخ السلامة المهنية كأحد أعمدة التنمية المستدامة.