عمان –مع ارتفاع درجات الحرارة في الأغوار إلى 50 درجة زادت معاناة العاملين بالقطاع الزراعي الذي لا تتوفر فيه إجراءات الصحة والسلامة المهنية، حيث يعملون تحت أشعة الشمس المباشرة، وداخل البيوت البلاستيكية.
تحذيرات متكررة وجهتها دائرة الأرصاد الجوية من خطر التعرض المباشر للشمس والضرر الذي قد يحصل بسبب ارتفاع درجات الحرارة، في ظل استمرار المملكة تحت تأثير الموجة الحارة، التي تسجل درجات حرارة مرتفعة بين 41 درجة مئوية إلى 50 درجة مئوية باختلاف المناطق.
تؤدي الحرارة الشديدة إلى زيادة المخاوف فيمَا يتعلق بظروف السلامة والصحة المهنية للعمال، لا سيما أولئك الذين يعملون في الزراعة، حيث يواجه العاملين في هذا القطاع ظروف عمالية قاسية ابتداء من عدم تطبيق قانون العمل الأردني ومرورًا بعدم وجود وسيلة نقل آمنة وانتهاء بالتعرض المباشر لأشعة الشمس الحارقة، وجميع تلك الظروف تعرضهم حياتهم للخطر.
بينت ذلك العاملة مرام غسان التي قالت أنهم يذهبون للعمل بسيارات كبيرة (ديانا) واقفين تحت أشعة الشمس ذهابًا وايابًا، دون وجود حماية لهم لا من أشعة الشمس الحارقة أو من الحوادث التي قد تحدث بالطريق.
وقالت إن العديد من العاملين بالزراعة يذهبون للعمل بالباصات الصغيرة والخاصة والمخصصة لـ 4 ركاب فقط، ويتم تحميل ما يزيد عن 20 عامل وعاملة، ما قد يتسبب بالاختناق بسبب ارتفاع درجات الحرارة هذه الأيام.
وتطالب العاملة الأربعينية أمل كمال من أصحاب المزارع بزيادة الأجرة اليومية لتصبح دينار ونصف الدينار بدلًا من دينار على الساعة، مشيرة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يحتاج لجهد اضافي من العاملين لإنجاز العمل ما يعرض إلى التعب والإرهاق وألم في الرأس.
وقالت إن ظروف الحياة الصعبة أجبرتها على العمل في مثل هذه الأجواء، التي تؤكد أنها لم تشعر بها من قبل، مُشيرة إلى أنها تعيل 5 أبناء يحتاجون إلى مصاريف يومية.
وتضيف العاملة العشرينية فرح علي -اسم مستعار-، أن العمل الزراعي الآن يقتصر فقط على قطف محصول "الباميا" التي تسبب حكة وحساسية للجلد، ما يحتاج أن ترتدي العاملة "كفوف" من نوعين قماش وكفوف بلاستيكية، ما يزيد من حرارة الجسم ويتسبب بالتعرق طيلة ساعات العمل.
ارتفاع درجات الحرارة خلال هذا الأسبوع قد يعرض العاملين بالزراعة للإجهاد الحراري وهو حالة تحدث عند تعرض الجسم للحرارة الزائدة، وتشمل أعراضه التعرق بغزارة وتسارع نبضات القلب، وهو واحد من الأمراض الثلاثة المتعلقة بالحرارة، وأخفها التقلصات الحرارية وأشدها ضربة الشمس، وقد يؤدي الإجهاد الحراري في حال عدم علاجه إلى الإصابة بضربة الشمس قد تؤدي إلى الوفاة.
وقالت العاملة منى عبود إن ارتفاع درجات الحرارة يبدأ قبل شروق الشمس، مؤكدة أنهم يبدأون العمل من الساعة 5.30 فجرًا ولغاية الساعة 11 صباحًا، مشيرة إلى أن أجسام العاملين تبدأ بالتعرق والشعور بالدوار وعدم القدرة على التنفس بسبب ارتداء لثام من القماش على الوجه للحماية من حروق الشمس، مؤكدة بأنهم يشعرون بارتفاع درجات الحرارة قبل شروق الشمس.
وبينت العاملة أن الأعمال الزراعية بهذا الوقت من السنة تكون بتجهيز الأراضي والزراعات وتحت أشعة الشمس الحارقة، مؤكدة تعرض العديد من العاملين إلى ضربات الشمس.
وأوضحت أنها لا تستطع التغيب عن العمل بسبب الظروف المعيشة الصعبة التي يمر بها العاملين بالقطاع الزراعي من كلا الجنسين، حيث إن اليوم الذي لا تعمل فيه لا تحصل على أجرتها التي لا تتجاوز 5 أو 6 دنانير يوميًا.
وتقول "احنا إذا اشتغلنا أكلنا، وإذا ما اشتغلنا ما أكلنا، وصاحب الشغل مابرحم بده شغله يمشي، وإحنا بنخاف إذا عطلنا يوم بسبب ارتفاع الحرارة صاحب المزرعة يجيب حد غيرنا، وقتها شو استفدت، عشان هيك اضطر اشتغل حتى وإن كان الجو نار، مهي كلها الحياة نار وقفت على الشوب".
هذا وتشكل ارتفاع درجات الحرارة مصدر قلق للعاملين بالزراعة حيث يتعرضون إلى ضربات الشمس أثناء العمل بالمزارع، وإلى ارتفاع بضغط الدم، والتعرض للإغماء أثناء العمل داخل البيوت البلاستيكية التي تزيد من ارتفاع درجات الحرارة، كما قالت العاملة فاطمة أحمد، مُستذكرة صديقتها وزميلتها بالعمل التي توفيت أثناء عملها داخل أحد البيوت البلاستكية، منذ سنوات بسبب ارتفاع درجات الحرارة الذي تسبب بارتفاع ضغط الدم لديها، تاركة خلفها أطفال كانوا يعتمدون عليها في كل شي.
العامل يحيى عاطف يؤكد في حديثه على ما قالته فاطمة مشيرًا إلى أن أغلب العاملين بالقطاع الزراعي يعانون من آلام في الرأس أثناء العمل خلال هذه الفترة بسبب ارتفاع درجات الحرارة، موضحًا أنه يعمل بالرغم من الألم للمساعدة والده المسؤول عن عائلة تضم 10 أفراد .
ويرى العامل أن أصحاب العمل غير مهتمين بصحة العامل وبدليل ذلك إبقاء ساعات العمل كما هي بالرغم من ارتفاع درجات الحرارة الكبيرة، حيث يعملون على فترتين صباحية ومسائية مؤكدًا أن درجات الحرارة مرتفعة في الفترتين، ويقول "إن أصحاب العمل غير مسؤولين، ويتحمل العامل كافة نفقات العلاج الطبي في حال تعرض لأي خطر بسبب موجة الحر".
إضافة لهذا المخاطر الصحية بسبب ارتفاع الحرارة التي تهدد حياة العاملين بالقطاع الزراعي، تظهر وتنتشر مختلف أنواع الحشرات والزواحف الضارة والسامة مثل الأفاعي والعقارب وغيرها الكثير التي قد تتسبب بإيذاء العاملين في القطاع.
في السياق ذاته أكدت مديرة تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان لندا كلش على أهمية إيجاد تشريعات تتعلق بالتغير المناخي لحماية العاملين من آثاره السلبية، وتطوير سياسات وأنظمة الصحة والسلامة المهنية، بحيث تغطي جميع المخاطر التي تفرضها تداعيات هذه الظاهرة، الأمر الذي يكفل سلامة العمال ولا يعرض حياتهم للخطر.
وبينت أن آثار التغير المناخي على الأردن والتغيرات التي تجري على درجات الحرارة تؤثر على القطاعات كافة خاصة القطاع الزراعي، لافتة إلى أن التغير المناخي سيؤثر على العاملين جميعًا.
وأشارت كذلك الى أهمية تطوير منظومة الحماية الاجتماعية والارتقاء بالتأمينات الاجتماعية بالشكل الذي يواكب مرحلة الانتقال العادل لمواجهة تحديات التغير المناخي.
وأكدت كلش إلى أنه مع صدور نظام عمال الزراعة 2021 أصبح بإمكان وزير العمل تحديد ساعات العمل التي يحظر تشغيل عمال الزراعة فيها في الظروف الجوية الاستثنائية عملا بالمادة 4/ه منه، كما جاءت تعليمات شروط السلامة والصحة المهنية في العمل الزراعي التي صدرت بموجب هذا النظام واضحة من حيث إلزام صاحب العمل باتخاذ الإجراءات والتدابير للوقاية من مخاطر الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة.
هذا ودعت وزارة العمل أصحاب العمل والعمال إلى إتباع جملة من الإرشادات الوقائية في ظل إستمرار موجة الحر الحالية، مشددة على ضرورة توفير أسباب السلامة والصحة المهنية خلال موجة الحر، خاصة الذين يعملون تحت أشعة الشمس المباشرة، بما قد يؤدي إلى إصابتهم بأمراض الإجهاد الحراري، وضربات الشمس، والإغماء، والتقلصات، والطفح الجلدي.
وأكدت الوزارة على ضرورة قيام أصحاب العمل بتوفير سبل الحماية للعاملين تحت درجات الحرارة المرتفعة، من خلال عدم تعريض العمال لأشعة الشمس المباشرة، خاصة وقت الذروة، والتي تمتد ما بين الساعة 11 صباحا وحتى الساعة 5 عصرا،
ونوهت إلى أهمية معرفة أعراض الإجهاد الحراري وضربة الشمس وآليات الوقاية منها وعلاجها في حال حدوثها.
2023-أغسطس-15
ارتفاع درجات الحرارة يزيد اجهاد العاملين في الزراعة مع غياب أدوات السلامة العامة لهم