تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

انتهاكات العمال في قطاع الخدمات.. الملف معقد!

2023-يناير-04
انتهاكات العمال في قطاع الخدمات.. الملف معقد!

الغد- حنان بشارات- لم تعلم (نعمة ب) وهي عاملة في أحد المراكز عن طريق شركة خدمات مساندة، أن مصير عملها سيكون شاقا، برغم أنها ثلاثينية، تعيل أسرة من أربعة أفراد، وزوجها مقعد.

وقالت لـ”الغد”، انها تتعرض للاستغلال في عملها، فهي تعمل لساعات طويلة وبأجر زهيد، ولا تستطيع أن تتقدم بشكوى لدى جهات حقوق الإنسان، خوفا من فقدانها الوظيفة برغم تقاضيها اجرا يقل عن الحد الأدنى للأجور (180) دينارا.

فيما يكشف (سعد س) لـ”الغد” ايضا، وهو عامل في شركة تقدم الخدمات، انه لم يحصل على تعويض بعد عمله فيها لمدة تجاوزت الـ5 سنوات، بعد إجباره على ترك العمل من الشركة، وقد كان مضطرا للتوقيع على مخالصة قبل أي تجديد.

القصص كثيرة على انتهاكات العمال في هذا القطاع، بحيث تقول (رائدة ط) لـ”الغد”، انها غير مؤمنة بالضمان الاجتماعي او التأمين الصحي، وتحصل على نصف راتبها، بينما تعمل براتبها بالشراكة مع جاراتها ضمن شفتين مقابل راتب واحد لعدم توافر فرص عمل.

هذا الملف المسكوت عنه، يطرح تساؤلات تناولتها “الغد” مع ذوي اختصاص ومتابعي عمال من نقابات ومراكز حقوقية، بينها: هل يتقاضى العمال في الخدمات المساندة دون الحد الادنى للاجور (260)؟ وهل يعتبر استغلال العمال انتهاكا لحقوق الانسان؟ واذا ما وردت شكاوى حول استغلال العمال وانتهاكات حقوقهم، وكم عددها وما مصير الشكاوى؟

واشاروا الى انه برغم التقارير المحلية والدولية، لكن الانتهاكات للعمال ما تزال موجودة دون حلول واجراءات للحيلولة دون تفاقمها.

وفي السياق، قال رئيس نقابة الخدمات العامة محمد غانم لـ”الغد” ان شكاوى عديدة ترد النقابة يوميا حول انتهاكات لحقوق العمال في قطاع الخدمات العامة والمساندة، من حيث الإجازات والرواتب، لافتا إلى أن هناك انتهاكات بسير العمل والعمل بالشفتات مقابل أجور زهيدة، فضلا عن حالات التحرش التي تتعرض لها الإناث في مواقع العمل.

وتابع إن وزارة الصحة يعمل في مستشفياتها ومراكزها اكثر من 8 آلاف عامل، يحصلون على وظائفهم عبر عطاءات، يقدمها دائرة العطاءات الحكومية للأسعار الأقل.

وأشار غانم إلى أن إجراءات وزارة العمل والتفتيش قاصرة عن ضبط مثل هذه المخالفات، لأسباب عديدة أبرزها أن العمال يخشون على وظائفهم حال ورود أي شكوى، بالإضافة لتشغيل منتفعي المعونة الوطنية والحاصلين على رواتب ميراث تقاعدية، وعدم إخضاعهم إلى الضمان الاجتماعي برغم اقتطاع نسبة الضمان من رواتبهم.

ولفت إلى أن الصورة العامة مشوهة من حيث استغلال العمال الوافدين، بخاصة السوريين الذين يتلقون مساعدات مالية من مفوضية شؤون اللاجئين، بالإضافة إلى أن العطاءات التي تطرحها دائرة العطاءات العامة لهذه الشركات خاسرة، بحيث يكون نصيب العامل 260 دينارا شاملة للضمان والكلف التشغيلية وأرباح الشركة، وبالتالي تضطر الشركات التي تبيع بينها العقود للحصول على العطاءات بأي شكل.

وبين غانم أن العقوبات التي يتعرض لها العمال كغرامة عن أي يوم غياب تصل لـ20 دينارا فضلا عن تغريم العمال بدل المستهلكات، مشددا على أن تقارير مراكز حقوق الإنسان، تتضمن سنويا مثل هذه الانتهاكات، بالإضافة إلى ضعف الإجراءات الحكومية للحد من المخالفات بهذا الملف.

من جهته، قال الناطق الرسمي باسم المركز الوطني لحقوق الانسان احمد فهيم، ان المركز الوطني لحقوق الإنسان، يتابع عن كثب سوق العمل والعمال، ويرصد عبر الفرق الميدانية المختصة، وعبر ما ينشر بوسائل الإعلام أي انتهاك لقوانين العمل والعمال، فضلا عن تلقي الشكاوى والتعامل معها عبر مخاطبة الجهات المعنية والتنسيق مع القطاعات ذات العلاقة.

وتابع فهيم، يولي المركز المهن الخطرة، أهمية خاصة في الرصد والمتابعة من حيث مدى توافر ضمانات السلامة المهنية، ومدى التزام هذه القطاعات بتأمين صعوبات العمل وتوفير الضمانات الصحية والاجتماعية اللازمة.

من جانبها قالت مديرة تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، ليندا كلش، إن العديد من الشركات العاملة في قطاع الخدمات المساندة، لم تلتزم بقرار اللجنة الثلاثية لشؤون العمل القاضي برفع الحد الأدنى لأجور الأردنيين لـ260 دينارا وللوافدين لـ230 دينارا، على أن يصل لـ260 دينارا مع بداية العام 2024، بحجة أن عقودها مع وزارة الصحة وقعت قبل قرار رفع الحد الأدنى، بالتالي ستتكبد مزيدا من المصاريف، لعدم تعويض الحكومة لها عن مقدار الفرق في الأجر.

وترى أنه بأي حال من الأحوال، وبعيدا عن صيغة التعاقد بين الحكومة والقطاع الخاص، وفي ظل وجود قرار من اللجنة بزيادة الحد الأدنى، فيجب أن تلتزم الشركات به، وأن تتأكد الحكومة عبر التفتيش من انصياعها له، وخلاف ذلك، مخالفة لقانون العمل.

وتؤكد كلش، غياب أدنى آليات الرقابة والمساءلة القانونية من جهات مثل وزارتي العمل والصحة، أو دائرة العطاءات التي تمنح هذه الشركات عطاءات للعمل في القطاع العام.

وبينت كلش، أنه خلال عمل تمكين استقبل شكاوى من العاملين في قطاع الخدمات المساندة إلا أن عدد الشكاوى لا يمثل الواقع الفعلي لما يتعرض له العاملون في هذا القطاع، حيث يرفض العديد من العاملين التقدم بشكوى خوفا على خسارة عملهم، مما يساهم في استمرار الانتهاكات الواقعة عليهم بتجاه اتساعها وليس حلها.

وكانت “تمكين” أصدرت في العام 2021 تقريرا جاء فيه أن قطاع الخدمات الصحية المساندة، يشمل مهن التنظيف والمراسلة والنقل والإطعام والصباغة والبستنة، ويعمل فيه أكثر من 115 ألفا من الجنسين، ويتوزّع هذا العدد على المؤسسات الحكومية والخاصة، فيعمل في القطاع داخل مؤسسات وزارة الصحة 15 ألفا، غالبيتهم عمّال نظافة، و100 ألف في مختلف المؤسسات والوزارات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص.

تقرير “تمكين” يشير لاستقباله شكاوى على شركات من القطاع في محافظات الوسط والشمال، تفيد أغلبها بأن عامليها يتقاضون 200 دينار أردني بعد خَصْم 20 دينارا لمؤسسة الضمان، ويحصل آخرون على أقل من ذلك بعد خَصْم مبالغ مالية منهم شهريا دون مبرر.

ولفتوا الى أنهم لا يتسلمون رواتبهم في مواعيدها نهاية كل شهر، أو خلال الأيام السبعة من الشهر الذي يليه، ما يعد مخالفة لنص المادة (46) من قانون العمل، والتي تفيد بأن “يدفع الأجر خلال مدة لا تزيد على سبعة أيام من تاريخ استحقاقه، ولا يجوز لصاحب العمل حسم أي جزء منه، إلا في الحالات التي يجيزها القانون”.

كذلك ينص على أن “توقيع العامل على أي كشف أو سجل للأجور، أو على ايصال بقيمة المبلغ المسجل فيه، لا يعني إسقاط حقه في أي زيادة على المبلغ المقبوض بموجب القانون أو النظام أو العقد”.

بدوره، قال مدير مركز الفينيق للدراسات العمالية احمد عوض، انه جرت خلال السنوات الماضية تحولات كبيرة في آليات التشغيل، ومنها التشغيل عبر شركات وسيطة، وعلى وجه الخصوص شركات التنظيف والحراسة، وتوسع ذلك ليشمل تقيد خدمات متنوعة.

وتابع، ومن هذا النوع من الأعمال، نشأت شركات تشغل أشخاصا بمهارات معينة، تؤجرها لشركات أخرى تقوم بالمهمات ذاتها، بحيث تشتري شركات كبرى خدمات من شركات وسيطة.

وأشار إلى أنه في وقت بدأت فيه فكرة الاستعانة بخبرات غير متوافرة لدى الشركات التي تقدم لها الخدمة الأساسية، ولأداء مهام مؤقتة لا تمتلكها، اتسع الموضوع ليشمل استعانة شركات كبرى لديها خبرات كبيرة في مجال اختصاصها بشركات مساندة أو وساطة، تقدم لها خدمات ومهام شبيهة بما اعتادت تقديمه من خدمات، تفاديا لدفع أجور ومنافع لعاملين جدد سيحصلون على منافع جيدة، حققها العاملون ونقابات عبر سنوات طويلة وفي اطار اتفاقيات عمل جماعية ملزمة، مثل رواتب شهرية جيدة، مقارنة بمعدلات الأجور السائدة في سوق العمل، وتأمينات صحية وصناديق ادخار وغيرها.

وبين عوض ان هذا النوع من التشغيل، بدأ يتوسع على نطاق كبير، بحيث أصبحت شركات كبرى تعزف عن تشغيل عاملين وعاملات بشكل مباشر، وتستعين بعاملين عبر شركات وسيطة، تبعيتهم القانونية تعود لشركات أخرى بأجور ومنافع متواضعة، لتخفيف النفقات وزيادة الأرباح. وأصبح من الطبيعي أن تجد عاملين يمتلكون ذات المهارات ويؤدون ذات المهام، ولكن شروط عملهم متباينة بشكل كبير، بحسب اخلاف التبعية القانونية، فكل منهم يعمل في شركة مختلفة ولكن مكان عملهم واحد، ومهماتهم واحدة.

وشدد على انه آن الأوان لوضع حد لتوسع هذا النوع من الأعمال بحيث يتم منع التمييز في شروط العمل المختلفة للأشخاص الذين يعملون في ذات العمل ويؤدون ذات المهمات، لأن في ذلك انتهاكات واضحة لمعايير العمل.